من فضلك قم بتحديث الصفحة لمشاهدة المحتوى المخفي
آدابُ الإنفاقِ 2
أن يَكونَ ما يُنفَقُ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ
مِن أدبِ الإنفاقِ: أن يكونَ ما يُنفَقُ حلالًا مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، غيرِ حرامٍ .
الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
قولُه: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ يُستفادُ منه أنَّ المالَ الحرامَ لا يُؤمَرُ بالإنفاقِ منه؛ لأنَّه خبيثٌ. واللهُ تعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طيِّبًا .
ب- مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّها النَّاسُ إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنين بما أمَرَ به المرسَلينَ، فقال: يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا
2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن تصَدَّق بعَدلِ تَمرةٍ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ، وإنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُها بيَمينِه، ثُمَّ يُرَبِّيها لصاحِبِه كَما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه ، حتَّى تَكونَ مِثلَ الجَبَلِ )) .
وفي رِوايةٍ: ((ما تَصدَّقَ أحَدٌ بصَدَقةٍ مِن طَيِّبٍ -ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ- إلَّا أخذَها الرَّحمنُ بيَمينِه، وإن كانت تَمرةً، فتَربو في كَفِّ الرَّحمنِ حتَّى تَكونَ أعظَمَ مِنَ الجَبَلِ، كَما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه أو فصيلَه ) .
قال ابنُ هُبَيرةَ: (في هذا الحَديثِ أنَّ اللَّهَ سُبحانَه أخبَرَنا أنَّه يَجزي المُتَصَدِّقينَ بأحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ، وهو سُبحانَه يَجزي المُتَصَدِّقينَ بالتَّمرةِ، حتَّى إنَّا لو قدَّرنا غَرسَ النَّواةِ -الَّتي هيَ أدنى ما فيها- في أزكى مَغرَسٍ فصارَت نَخلةً، ثُمَّ أثمَرَت، فغُرِسَ النَّوى الخارِجُ مِنها، فصارَ مِن كُلِّ نَواةٍ نَخلةٌ، ثُمَّ اتَّصَل للَّهِ إلى يَومِ القيامةِ، ثُمَّ حُسِبَ ذلك التَّمرُ في وقتِ التَّصَدُّقِ به بأوفرِ الأثمانِ في مَكانٍ لا يوجَدُ فيه غَيرُه، ثُمَّ يُشتَرى بالثَّمَنِ أرخَصَ ما يوجَدُ في مَوضِعِه، ثُمَّ بيعَ أعلى ما يوجَدُ حتَّى يَصيرَ مِثلَ أحُدٍ مِرارًا؛ فهذا مَعنى المُضاعَفةِ .
وقَولُه: «مِن كَسبٍ طَيِّبٍ»؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما يُثيبُ العَبدَ على ما أنفقَ مِن مالِه، وإذا أنفقَ من مالٍ مَغصوبٍ لم يَكُنْ قد أنفَقَ مالَه، إنَّما أنفَقَ من مالِ غَيرِه؛ فلم يَكُنْ مِنَ المُنفِقينَ أموالَهم، كما قال عَزَّ وجَلَّ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ؛ فإذا أنفَقَ مِن مالِه فهو الذي يَأجُرُه اللهُ عليه، وذلك هو الكَسبُ الطَّيِّبُ، وهو الذي يَكسِبُه بالشَّرعِ، فقد طابَت طُرُقُ حُصولِه، ويَنبَغي له ألَّا يَزْدَريَ النَّذْرَ مِنَ الإنفاقِ؛ فإنَّه سَيَربو في التَّضعيفِ أضعافَ ما يَأمُلُ المُتَصَدِّقُ به) .
خامِسًا: الإنفاقُ مِنَ الجَيِّدِ ومِمَّا يُحِبُّ
يُستحَبُّ أن يُنفِقَ مِن الجَيِّدِ لا الرَّديءِ، ولا سيَّما إن كان ممَّا يحِبُّه المرءُ .
الدَّليلُ على ذلك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ
1- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
(يَحُثُّ اللهُ تعالى عبادَه المؤمِنين على أن يُزكُّوا ويتصدَّقوا من أجوَدِ أموالِهم التي اكتَسَبوها حلالًا بالتِّجارةِ، وأمَرَهم أن يُنفِقوا من الثِّمارِ والزُّروعِ والرِّكازِ والمعادِنِ التي أخرَجها لهم سُبحانَه من الأرضِ، فكما منَّ عليهم بتيسيرِ الحُصولِ على ذلك، فلْيُنفِقوا منه شكرًا له عزَّ وجلَّ.
وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي: لا تَقصِدوا الرَّديءَ من أموالِكم فتتصَدَّقوا منه، وتُمسِكوا الجيِّد لأنفُسِكم؛ فإنَّ هذا ليس من العَدلِ في شيءٍ، ولكِنْ تصدَّقوا من الطيِّبِ الجيِّدِ، فإنَّكم لو كنتُم مكانَ آخِذِ الصَّدَقةِ والحالةُ هذه، فلستُم بآخِذيها إلَّا على وَجهِ التَّسامُحِ والتَّغاضي عن ذلك، فإنَّكم لكَراهتِكم إيَّاه تُغمِضون بَعضَ بَصَرِكم عنه؛ إذ لا يملأُ أعيُنَكم لرداءتِه، فاللهُ عزَّ وجلَّ أحقُّ أن يُبذَلَ لأجلِه أطايبُ المالِ؛ فإنَّه سُبحانَه طيِّبٌ لا يَقْبلُ إلَّا طيِّبًا.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي: اعلَموا -أيُّها النَّاسُ- أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ غنيٌّ عنكم وعن أعمالِكم، ومنها صَدَقاتُكم، فلا حاجةَ له بها، وإنَّما أمَرَكم بها؛ رحمةً منه لكم، فنفْعُها عائدٌ إليكم؛ إذ يُغْني بها فقيرَكم، ويُقوِّي بها ضعيفَكم، ويُثيبُكم عليها.
واعلَموا أيضًا أنَّه سُبحانَه المحمودُ على جميعِ صِفاتِه وأفعالِه وأقوالِه وشَرعِه وقَدَرِه، ومن ذلك غناه، فإنَّه يُحمَدُ عليه سُبحانَه، ومن ذلك أيضًا ما يأمُرُكم به من الأوامِرِ الحميدةِ، والأخلاقِ الجميلةِ، وهو عزَّ وجلَّ يَحمَدُ مَن يَستحِقُّ الحَمدَ؛ فأثنَى على أنبيائِه ورسُلِه والصَّالحينَ مِن عبادِه.
كما أنَّ غِناه وحَمدَه يَأبيانِ قَبولَ الرَّديءِ، فإنَّ مَن يأخُذُه إمَّا أن يَقبلَه لحاجتِه إليه، وإمَّا أنَّ نفسَه لا تأباه؛ لعَدَمِ كمالِها وشَرَفِها، وأمَّا الغنيُّ عنه الكامِلُ الأوصافِ سُبحانَه، فإنَّه لا يَقبَلُه) .
2- قال تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
(أي: لنْ تُدرِكوا الخيرَ الكثيرَ من اللهِ بتفضُّلِه عليكم بإدخالِكم الجَنَّةَ وصَرْفِ العذابِ عنكم -الذي يُطلَبُ بطاعةِ اللهِ وعبادتِه- حتَّى تُنفِقوا وتتصدَّقوا من أموالِكم التي تحبُّها قلوبُكم.
وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي: ومهما تُنفِقوا من شيءٍ من أموالِكم فإنَّ اللهَ ذُو عِلمٍ به، ويُجازي صاحبَه عليه جزاءَه في الآخِرةِ، ويُثيبُه على ما أنفَقَ .
عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كان أبو طلحةَ أكثَرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالًا مِن نَخلٍ، وكان أحبُّ أموالِه إليه بَيْرُحَاءَ ، وكانت مُستَقبِلةَ المسجِدِ، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدخُلُها ويَشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنَسٌ: فلمَّا أُنزِلَت هذه الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
3- قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177].
(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ أي: ومِنَ الأعمالِ الدَّاخِلةِ في مُسَمَّى البِرِّ: أن يُعطيَ العَبدُ المالَ وهو مُحِبٌّ له وراغِبٌ فيه، فيَدفَعُه صَدَقةً لأقارِبِه، وللصِّغارِ الذينَ فقَدوا آباءَهم وهم دونَ البُلوغِ ولا كاسِبَ لهم، وللمَساكينِ الذينَ لا يَجِدونَ ما يَكفيهم ويُغنيهم، وللمُسافِرِ المُجتازِ يُريدُ نَفقةً تُوصِلُه لمَوطِنِه، وللطَّالبينَ حاجةً مِمَّا يَعرِضُ لهم مِن سوءٍ، ولعِتقِ الرِّقابِ ونَحوِها ... أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، أي: إنَّ أولئِك المُتَّصِفينَ بما سَبَقَ ذِكرُه مِن عَقائِدَ وأعمالٍ وأخلاقٍ، همُ الصَّادِقونَ في إيمانِهم؛ لأنَّ أعمالَهم قَد صَدَّقَت إيمانَهم، وهمُ المُتَّقونَ؛ لأنَّهم فعَلوا ما أمِرُوا به، واجتَنَبوا ما نُهُوا عنه) .
4- قال تعالى في الأبرارِ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ أي: وهم في حالٍ يُحِبُّونَ فيها المالَ والطَّعامَ، لكِنَّهم قَدَّموا محَبَّةَ اللَّهِ على مَحَبَّةِ نُفوسِهم، ويَتَحَرَّونَ في إطعامِهم أولى النَّاسِ وأحوجَهم مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، ويَقصِدونَ بإنفاقِهم وإطعامِهم وجهَ اللهِ تعالى، ويَقولونَ بلسانِ الحالِ: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا أي: لا جَزاءً ماليًّا ولا ثَناءً قَوليًّا، إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا أي: شَديدَ الجهْمةِ والشَّرِّ قَمْطَرِيرًا أي: ضَنكًا ضيِّقًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ فلا يَحزُنُهمُ الفزَعُ الأكبَرُ، وتَتَلقَّاهمُ المَلائِكةُ هذا يَومَكُمُ الذي كُنتُم توعَدونَ وَلَقَّاهُمْ أي: أكرَمَهم وأعطاهم نَضْرَةً في وُجوهِهم وَسُرُورًا في قُلوبِهم، فجَمَعَ لهم بينَ نَعيمِ الظَّاهِرِ والباطِنِ .
ب- مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ العَمَلِ أفضَلُ؟ قال: ((إيمانٌ باللهِ، وجهادٌ في سَبيلِه. قُلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أفضَلُ؟ قال: أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عِندَ أهلِها. قُلتُ: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تُعينُ صانِعًا، أو تصنَعُ لأخرَقَ. قال: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تَدَعُ النَّاسَ من الشَّرِّ؛ فإنَّها صَدَقةٌ تَصَدَّقُ بها على نفسِك )) .
2- عن عَوفِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبيَدِه عَصًا، وقد عَلَّقَ رَجُلٌ قِنوَ حَشَفٍ ، فجَعَل يَطعُنُ في ذلك القِنوِ، فقال: لو شاءَ رَبُّ هذه الصَّدَقةِ تَصَدَّق بأطيَبَ مِن هذا، إنَّ رَبَّ هذه الصَّدَقةِ يَأكُلُ حَشَفًا يَومَ القيامةِ )) .
قال العَينيُّ: (يُستَفادُ مِنَ الحَديثِ أنَّ التَّمرَ الرَّديء لا يُؤخَذُ في الصَّدَقةِ، وأنَّه يَنبَغي للرَّجُلِ أن يَتَصَدَّقَ للهِ تعالى بأحسَنِ شَيءٍ عِندَه؛ حتَّى لا يَدخُلَ تَحتَ قَولِه تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ، وأنَّ المُتَصَدِّقَ يُجازى يَومَ القيامةِ بنَظيرِ ما تَصَدَّق) .
3- عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: أصابَ عُمَرُ أرضًا بخَيبرَ، فأَتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَستأمِرُه فيها، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إِنِّي أصبتُ أرضًا بخَيبرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ هو أنفَسُ عندي منه، فما تَأمُرُني به؟ قال: ((إن شِئتَ حَبَّستَ أصلَها، وَتَصَدَّقتَ بها، قال: فتَصَدَّقَ بها عُمَرُ؛ أنَّه لا يُباعُ أصلُها، ولا يُبتاعُ، ولا يُورَثُ، ولا يُوهَبُ، قال: فتَصَدَّقَ عُمَرُ في الفُقَراءِ، وفي القُربى، وفي الرِّقابِ، وفي سَبيلِ اللهِ، وابنِ السَّبيلِ، والضَّيفِ... )) الحديثَ
الدرر السنية
أن يَكونَ ما يُنفَقُ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ
مِن أدبِ الإنفاقِ: أن يكونَ ما يُنفَقُ حلالًا مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، غيرِ حرامٍ .
الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
يجب عليك
تسجيل الدخول
او
تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.قولُه: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ يُستفادُ منه أنَّ المالَ الحرامَ لا يُؤمَرُ بالإنفاقِ منه؛ لأنَّه خبيثٌ. واللهُ تعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طيِّبًا .
ب- مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّها النَّاسُ إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنين بما أمَرَ به المرسَلينَ، فقال: يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا
يجب عليك
تسجيل الدخول
او
تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
يجب عليك
تسجيل الدخول
او
تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
، ثمَّ ذَكَر الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أغبَرَ، يمُدُّ يديه إلى السَّماءِ: يا ربِّ، يا ربِّ، ومَطعَمُه حرامٌ، ومَشرَبُه حرامٌ، ومَلبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرامِ؛ فأنَّى يُستجابُ لذلك؟! )) .2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن تصَدَّق بعَدلِ تَمرةٍ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ، وإنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُها بيَمينِه، ثُمَّ يُرَبِّيها لصاحِبِه كَما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه ، حتَّى تَكونَ مِثلَ الجَبَلِ )) .
وفي رِوايةٍ: ((ما تَصدَّقَ أحَدٌ بصَدَقةٍ مِن طَيِّبٍ -ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ- إلَّا أخذَها الرَّحمنُ بيَمينِه، وإن كانت تَمرةً، فتَربو في كَفِّ الرَّحمنِ حتَّى تَكونَ أعظَمَ مِنَ الجَبَلِ، كَما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه أو فصيلَه ) .
قال ابنُ هُبَيرةَ: (في هذا الحَديثِ أنَّ اللَّهَ سُبحانَه أخبَرَنا أنَّه يَجزي المُتَصَدِّقينَ بأحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ، وهو سُبحانَه يَجزي المُتَصَدِّقينَ بالتَّمرةِ، حتَّى إنَّا لو قدَّرنا غَرسَ النَّواةِ -الَّتي هيَ أدنى ما فيها- في أزكى مَغرَسٍ فصارَت نَخلةً، ثُمَّ أثمَرَت، فغُرِسَ النَّوى الخارِجُ مِنها، فصارَ مِن كُلِّ نَواةٍ نَخلةٌ، ثُمَّ اتَّصَل للَّهِ إلى يَومِ القيامةِ، ثُمَّ حُسِبَ ذلك التَّمرُ في وقتِ التَّصَدُّقِ به بأوفرِ الأثمانِ في مَكانٍ لا يوجَدُ فيه غَيرُه، ثُمَّ يُشتَرى بالثَّمَنِ أرخَصَ ما يوجَدُ في مَوضِعِه، ثُمَّ بيعَ أعلى ما يوجَدُ حتَّى يَصيرَ مِثلَ أحُدٍ مِرارًا؛ فهذا مَعنى المُضاعَفةِ .
وقَولُه: «مِن كَسبٍ طَيِّبٍ»؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما يُثيبُ العَبدَ على ما أنفقَ مِن مالِه، وإذا أنفقَ من مالٍ مَغصوبٍ لم يَكُنْ قد أنفَقَ مالَه، إنَّما أنفَقَ من مالِ غَيرِه؛ فلم يَكُنْ مِنَ المُنفِقينَ أموالَهم، كما قال عَزَّ وجَلَّ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ؛ فإذا أنفَقَ مِن مالِه فهو الذي يَأجُرُه اللهُ عليه، وذلك هو الكَسبُ الطَّيِّبُ، وهو الذي يَكسِبُه بالشَّرعِ، فقد طابَت طُرُقُ حُصولِه، ويَنبَغي له ألَّا يَزْدَريَ النَّذْرَ مِنَ الإنفاقِ؛ فإنَّه سَيَربو في التَّضعيفِ أضعافَ ما يَأمُلُ المُتَصَدِّقُ به) .
يجب عليك
تسجيل الدخول
او
تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
خامِسًا: الإنفاقُ مِنَ الجَيِّدِ ومِمَّا يُحِبُّ
يُستحَبُّ أن يُنفِقَ مِن الجَيِّدِ لا الرَّديءِ، ولا سيَّما إن كان ممَّا يحِبُّه المرءُ .
الدَّليلُ على ذلك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ
1- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
يجب عليك
تسجيل الدخول
او
تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.(يَحُثُّ اللهُ تعالى عبادَه المؤمِنين على أن يُزكُّوا ويتصدَّقوا من أجوَدِ أموالِهم التي اكتَسَبوها حلالًا بالتِّجارةِ، وأمَرَهم أن يُنفِقوا من الثِّمارِ والزُّروعِ والرِّكازِ والمعادِنِ التي أخرَجها لهم سُبحانَه من الأرضِ، فكما منَّ عليهم بتيسيرِ الحُصولِ على ذلك، فلْيُنفِقوا منه شكرًا له عزَّ وجلَّ.
وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي: لا تَقصِدوا الرَّديءَ من أموالِكم فتتصَدَّقوا منه، وتُمسِكوا الجيِّد لأنفُسِكم؛ فإنَّ هذا ليس من العَدلِ في شيءٍ، ولكِنْ تصدَّقوا من الطيِّبِ الجيِّدِ، فإنَّكم لو كنتُم مكانَ آخِذِ الصَّدَقةِ والحالةُ هذه، فلستُم بآخِذيها إلَّا على وَجهِ التَّسامُحِ والتَّغاضي عن ذلك، فإنَّكم لكَراهتِكم إيَّاه تُغمِضون بَعضَ بَصَرِكم عنه؛ إذ لا يملأُ أعيُنَكم لرداءتِه، فاللهُ عزَّ وجلَّ أحقُّ أن يُبذَلَ لأجلِه أطايبُ المالِ؛ فإنَّه سُبحانَه طيِّبٌ لا يَقْبلُ إلَّا طيِّبًا.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي: اعلَموا -أيُّها النَّاسُ- أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ غنيٌّ عنكم وعن أعمالِكم، ومنها صَدَقاتُكم، فلا حاجةَ له بها، وإنَّما أمَرَكم بها؛ رحمةً منه لكم، فنفْعُها عائدٌ إليكم؛ إذ يُغْني بها فقيرَكم، ويُقوِّي بها ضعيفَكم، ويُثيبُكم عليها.
واعلَموا أيضًا أنَّه سُبحانَه المحمودُ على جميعِ صِفاتِه وأفعالِه وأقوالِه وشَرعِه وقَدَرِه، ومن ذلك غناه، فإنَّه يُحمَدُ عليه سُبحانَه، ومن ذلك أيضًا ما يأمُرُكم به من الأوامِرِ الحميدةِ، والأخلاقِ الجميلةِ، وهو عزَّ وجلَّ يَحمَدُ مَن يَستحِقُّ الحَمدَ؛ فأثنَى على أنبيائِه ورسُلِه والصَّالحينَ مِن عبادِه.
كما أنَّ غِناه وحَمدَه يَأبيانِ قَبولَ الرَّديءِ، فإنَّ مَن يأخُذُه إمَّا أن يَقبلَه لحاجتِه إليه، وإمَّا أنَّ نفسَه لا تأباه؛ لعَدَمِ كمالِها وشَرَفِها، وأمَّا الغنيُّ عنه الكامِلُ الأوصافِ سُبحانَه، فإنَّه لا يَقبَلُه) .
2- قال تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
يجب عليك
تسجيل الدخول
او
تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.(أي: لنْ تُدرِكوا الخيرَ الكثيرَ من اللهِ بتفضُّلِه عليكم بإدخالِكم الجَنَّةَ وصَرْفِ العذابِ عنكم -الذي يُطلَبُ بطاعةِ اللهِ وعبادتِه- حتَّى تُنفِقوا وتتصدَّقوا من أموالِكم التي تحبُّها قلوبُكم.
وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي: ومهما تُنفِقوا من شيءٍ من أموالِكم فإنَّ اللهَ ذُو عِلمٍ به، ويُجازي صاحبَه عليه جزاءَه في الآخِرةِ، ويُثيبُه على ما أنفَقَ .
عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كان أبو طلحةَ أكثَرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالًا مِن نَخلٍ، وكان أحبُّ أموالِه إليه بَيْرُحَاءَ ، وكانت مُستَقبِلةَ المسجِدِ، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدخُلُها ويَشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنَسٌ: فلمَّا أُنزِلَت هذه الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
يجب عليك
تسجيل الدخول
او
تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
، قام أبو طَلحةَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ تبارك وتعالى يقولُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحَاءُ، وإنَّها صَدَقةٌ للهِ، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عندَ اللهِ، فضَعْها يا رسولَ اللهِ حيثُ أراك اللهُ. قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَخْ ! ذلك مالٌ رابحٌ ، ذلك مالٌ رابِحٌ! وقد سَمِعْتُ ما قُلتَ، وإنِّي أرى أن تجعَلَها في الأقرَبينَ. فقال أبو طلحةَ: أفعَلُ يا رسولَ اللهِ. فقسَمها أبو طلحةَ في أقارِبِه وبني عَمِّه )) .3- قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177].
(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ أي: ومِنَ الأعمالِ الدَّاخِلةِ في مُسَمَّى البِرِّ: أن يُعطيَ العَبدُ المالَ وهو مُحِبٌّ له وراغِبٌ فيه، فيَدفَعُه صَدَقةً لأقارِبِه، وللصِّغارِ الذينَ فقَدوا آباءَهم وهم دونَ البُلوغِ ولا كاسِبَ لهم، وللمَساكينِ الذينَ لا يَجِدونَ ما يَكفيهم ويُغنيهم، وللمُسافِرِ المُجتازِ يُريدُ نَفقةً تُوصِلُه لمَوطِنِه، وللطَّالبينَ حاجةً مِمَّا يَعرِضُ لهم مِن سوءٍ، ولعِتقِ الرِّقابِ ونَحوِها ... أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، أي: إنَّ أولئِك المُتَّصِفينَ بما سَبَقَ ذِكرُه مِن عَقائِدَ وأعمالٍ وأخلاقٍ، همُ الصَّادِقونَ في إيمانِهم؛ لأنَّ أعمالَهم قَد صَدَّقَت إيمانَهم، وهمُ المُتَّقونَ؛ لأنَّهم فعَلوا ما أمِرُوا به، واجتَنَبوا ما نُهُوا عنه) .
4- قال تعالى في الأبرارِ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
يجب عليك
تسجيل الدخول
او
تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ أي: وهم في حالٍ يُحِبُّونَ فيها المالَ والطَّعامَ، لكِنَّهم قَدَّموا محَبَّةَ اللَّهِ على مَحَبَّةِ نُفوسِهم، ويَتَحَرَّونَ في إطعامِهم أولى النَّاسِ وأحوجَهم مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، ويَقصِدونَ بإنفاقِهم وإطعامِهم وجهَ اللهِ تعالى، ويَقولونَ بلسانِ الحالِ: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا أي: لا جَزاءً ماليًّا ولا ثَناءً قَوليًّا، إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا أي: شَديدَ الجهْمةِ والشَّرِّ قَمْطَرِيرًا أي: ضَنكًا ضيِّقًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ فلا يَحزُنُهمُ الفزَعُ الأكبَرُ، وتَتَلقَّاهمُ المَلائِكةُ هذا يَومَكُمُ الذي كُنتُم توعَدونَ وَلَقَّاهُمْ أي: أكرَمَهم وأعطاهم نَضْرَةً في وُجوهِهم وَسُرُورًا في قُلوبِهم، فجَمَعَ لهم بينَ نَعيمِ الظَّاهِرِ والباطِنِ .
ب- مِنَ السُّنَّةِ
1- عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ العَمَلِ أفضَلُ؟ قال: ((إيمانٌ باللهِ، وجهادٌ في سَبيلِه. قُلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أفضَلُ؟ قال: أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عِندَ أهلِها. قُلتُ: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تُعينُ صانِعًا، أو تصنَعُ لأخرَقَ. قال: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تَدَعُ النَّاسَ من الشَّرِّ؛ فإنَّها صَدَقةٌ تَصَدَّقُ بها على نفسِك )) .
2- عن عَوفِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبيَدِه عَصًا، وقد عَلَّقَ رَجُلٌ قِنوَ حَشَفٍ ، فجَعَل يَطعُنُ في ذلك القِنوِ، فقال: لو شاءَ رَبُّ هذه الصَّدَقةِ تَصَدَّق بأطيَبَ مِن هذا، إنَّ رَبَّ هذه الصَّدَقةِ يَأكُلُ حَشَفًا يَومَ القيامةِ )) .
قال العَينيُّ: (يُستَفادُ مِنَ الحَديثِ أنَّ التَّمرَ الرَّديء لا يُؤخَذُ في الصَّدَقةِ، وأنَّه يَنبَغي للرَّجُلِ أن يَتَصَدَّقَ للهِ تعالى بأحسَنِ شَيءٍ عِندَه؛ حتَّى لا يَدخُلَ تَحتَ قَولِه تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ، وأنَّ المُتَصَدِّقَ يُجازى يَومَ القيامةِ بنَظيرِ ما تَصَدَّق) .
3- عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: أصابَ عُمَرُ أرضًا بخَيبرَ، فأَتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَستأمِرُه فيها، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إِنِّي أصبتُ أرضًا بخَيبرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ هو أنفَسُ عندي منه، فما تَأمُرُني به؟ قال: ((إن شِئتَ حَبَّستَ أصلَها، وَتَصَدَّقتَ بها، قال: فتَصَدَّقَ بها عُمَرُ؛ أنَّه لا يُباعُ أصلُها، ولا يُبتاعُ، ولا يُورَثُ، ولا يُوهَبُ، قال: فتَصَدَّقَ عُمَرُ في الفُقَراءِ، وفي القُربى، وفي الرِّقابِ، وفي سَبيلِ اللهِ، وابنِ السَّبيلِ، والضَّيفِ... )) الحديثَ
الدرر السنية
----------------------------
مشاهدة جميع مواضيع zoro1