آدابُ الإنفاقِ 1

zoro1

مراقب عام المنتديات الاسلامية
طاقم الإدارة
إنضم
2026/03/15
المشاركات
427
مستوى التفاعل
0
آدابُ الإنفاقِ 1

13602620.gif


المُبادَرةُ إلى الإنفاقِ قَبلَ حُصولِ المَوانِعِ

تَنبَغي المُبادَرةُ إلى الإنفاقِ في وُجوهِ الخَيرِ قَبلَ أن يُحالَ بَينَ المَرءِ وبَينَها.

الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ
1- قال تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.
2- قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.

ب- مِنَ السُّنَّةِ
1- عن بُسرِ بنِ جِحاشٍ القُرَشيِّ رَضِيَ اللهُ عنه ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بزَقَ يَومًا في كَفِّه، فوضَعَ عليها أُصبُعَه، ثُمَّ قال: قال اللهُ: ابنَ آدَمَ أنَّى تُعجِزُني وقد خَلقتُك مِن مِثلِ هذه؟! حتَّى إذا سَوَّيتُك وعَدَّلتُك مَشَيتَ بَينَ بُردَينِ وللأرضِ مِنك وَئيدٌ ، فجَمَعتَ ومَنَعتَ، حتَّى إذا بَلغَتِ التَّراقيَ قُلتَ: أتَصَدَّقُ، وأنَّى أوانُ الصَّدَقةِ؟! )) .
2- عن أبي هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلٌ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الصَّدَقةِ أعظَمُ؟ فقال: أن تَصَدَّقَ وأنتَ صحيحٌ شَحيحٌ، تَخشى الفقرَ وتَأمُلُ الغِنى، ولا تُمهِلُ حتَّى إذا بَلغَتِ الحُلقومَ قُلتَ: لفُلانٍ كَذا، ولفُلانٍ كَذا، ألَا وقد كان لفُلانٍ )) .
وفي رِواية: ((جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الصَّدَقةِ أعظَمُ أجرًا؟ فقال: أمَا وأبيك لتُنَبَّأنَّه: أن تَصَدَّقَ وأنتَ صحيحٌ شَحيحٌ، تَخشى الفقرَ، وتَأمُلُ البَقاءَ، ولا تُمهِلُ حتَّى إذا بَلغَتِ الحُلقومَ، قُلتَ: لفُلانٍ كَذا، ولفُلانٍ كَذا، وقد كان لفُلانٍ)) .

فائِدة:
عن خالِدِ بنِ مَعدانَ، قال: (إذا فُتِحَ لأحَدِكُم بابُ خَيرٍ فليُسرِعْ إليه؛ فإنَّه لا يَدري مَتى يُغلَقُ عنه)



يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي



يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي


يَجِبُ الإخلاصُ عِندَ الإنفاقِ.

الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:

أ- مِنَ الكِتابِ

1- قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.

2- قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.

3- قال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.

4- قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.
قال الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ في قَولِه تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا: (أخلَصُه وأصوَبُه؛ فإنَّ العَمَلَ إذا كان خالصًا ولَم يَكُنْ صَوابًا لَم يُقبَلْ، وإذا كان صَوابًا ولَم يَكُنْ خالصًا لَم يُقبَلْ، حَتَّى يَكونَ خالصًا صَوابًا، والخالِصُ إذا كان للهِ، والصَّوابُ إذا كان على السُّنَّةِ) .

ب- مِنَ السُّنَّةِ
1- عن عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((الأعمالُ بالنِّيَّةِ، ولكُلِّ امرِئٍ ما نَوى، فمَن كانت هِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه فهِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه، ومَن كانت هِجرتُه لدُنيا يُصيبُها، أوِ امرَأةٍ يَتَزَوَّجُها، فهِجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه )) .

2- عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ رَضيَ اللهُ عنه، قال: ((جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أرأيتَ رَجُلًا غزا يلتَمِسُ الأجرَ والذِّكرَ، ما لَه؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا شيءَ له، فأعادها ثلاثَ مرَّاتٍ، يقولُ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا شَيءَ له، ثم قال: إنَّ اللهَ لا يَقبَلُ من العَمَلِ إلَّا ما كان له خالِصًا، وابتُغِيَ به وَجهُه )) .

3- عن أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قال اللهُ تبارك وتعالى: أنا أغنى الشُّرَكاءِ عنِ الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشرَكَ فيه مَعيَ غَيري تَرَكتُه وشِركَه )) .

4- عن سُلَيمانَ بنِ يَسارٍ، قال: تَفَرَّق النَّاسُ عن أبي هُرَيرةَ، فقال له ناتِلُ أهلِ الشَّامِ: أيُّها الشَّيخُ، حَدِّثْنا حَديثًا سَمِعتَه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: نَعَم، سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقضى يَومَ القيامةِ عليه: رَجُلٌ استُشهِدَ، فأُتيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه، فعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: قاتَلْتُ فيك حَتَّى استُشهِدْتُ، فقال: كذَبْتَ، ولَكِنَّك قاتَلتَ لأن يُقالَ: جَريءٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وَجهِه، حَتَّى ألقيَ في النَّارِ. ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وعَلَّمَه، وقَرَأ القُرآنَ، فأُتيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه، فعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: تَعَلَّمتُ العِلمَ وعَلَّمْتُه، وقَرَأتُ فيك القُرآنَ، قال: كذَبتَ، ولَكِنَّك تَعَلَّمتَ العِلمَ ليُقالَ: عالِمٌ، وقَرَأتَ القُرآنَ ليُقالَ: هو قارِئٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وَجهِه، حَتَّى ألقِيَ في النَّارِ. ورَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عليه، وأعطاه من أصنافِ المالِ كُلِّه، فأُتيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه، فعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: ما تَرَكتُ من سَبيلٍ تُحِبُّ أن يُنفَقَ فيها إلَّا أنفَقْتُ فيها لَك، قال: كذَبتَ، ولَكِنَّك فعَلْتَ ليُقالَ: هو جَوادٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أمِرَ به فسُحِبَ على وَجهِه، ثُمَّ ألقِيَ في النَّارِ )) .

5- عن محمودِ بنِ لَبيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ أخوَفَ ما أخافُ عليكم الشِّرْكُ الأصغَرُ. قالوا: وما الشِّركُ الأصغَرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرِّياءُ، يقولُ اللهُ عزَّ وجَلَّ لهم يومَ القيامةِ إذا جُزِيَ النَّاسُ بأعمالِهم: اذهَبوا إلى الذين كنتُم تراؤون في الدُّنيا، فانظروا هل تجِدون عندَهم جزاءً )).

6- عن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((بَشِّرْ هذه الأُمَّةَ بالسَّناءِ ، والنَّصرِ، والتَّمكينِ، فمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرةِ للدُّنيا لم يَكُنْ له في الآخِرةِ نَصيبٌ )).

وفي لَفظٍ: ((بَشِّرْ أُمَّتي بالسَّناءِ والرِّفعةِ والتَّمكينِ في البلادِ ما لم يَطلُبوا الدُّنيا بعَمَلِ الآخِرةِ، فمَن طَلبَ الدُّنيا بعَمَلِ الآخِرةِ لم يَكُنْ له في الآخِرةِ مِن نَصيبٍ)).

يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي

يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي


مِن أدَبِ الإنفاقِ: أن يَحتَسِبَ المُسلمُ نَفقَتَه ؛ ليَنالَ أجرَها.

الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:

1- عن عَمرِو بنِ أُمَيَّةَ، قال: مَرَّ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ -أو عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ- بمِرطٍ فاستَغلاه، فمُرَّ به على عَمرِو بنِ أُميَّةَ فاشتَراه، فكَساه امرَأتَه سُخَيلةَ بنتَ عُبَيدةَ بنِ الحارِثِ بنِ المُطَّلِبِ، فمَرَّ به عُثمانُ -أو عَبدُ الرَّحمَنِ- فقال: ما فَعَل المِرطُ الذي ابتَعتَ؟ قال عَمرٌو: تَصَدَّقَتُ به على سُخَيلةَ بنتِ عُبَيدةَ. فقال: إنَّ كُلَّ ما صَنَعتَ إلى أهلِك صَدَقةٌ؟ قال عَمرٌو: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ ذاكَ، فذُكِر ما قال عَمرٌو لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ((صَدَق عَمرٌو، كُلُّ ما صَنَعتَ إلى أهلِك فهو صَدَقةٌ عليهم)) .

2- عن أبي مَسعودٍ البَدريِّ، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((إنَّ المُسلمَ إذا أنفقَ على أهلِه نَفقةً وهو يَحتَسِبُها، كانت له صَدَقةً )) .
قال النَّوويُّ: (قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّ المُسلمَ إذا أنفَقَ على أهلِه نَفَقةً يَحتَسِبُها كانت له صَدَقةً» فيه بَيانُ أنَّ المُرادَ بالصَّدَقةِ والنَّفقةِ المُطلَقةِ في باقي الأحاديثِ إذا احتَسَبَها، ومَعناه أرادَ بها وجهَ اللهِ تعالى، فلا يَدخُلُ فيه مَن أنفقَها ذاهلًا، ولكِن يَدخُلُ المُحتَسِبُ، وطَريقُه في الاحتِسابِ: أن يَتَذَكَّرَ أنَّه يَجِبُ عليه الإنفاقُ على الزَّوجةِ وأطفالِ أولادِه والمَملوكِ وغَيرِهم مِمَّن تَجِبُ نَفقَتُه، على حَسَبِ أحوالِهم واختِلافِ العُلَماءِ فيهم، وأنَّ غَيرَهم مِمَّن يُنفِقُ عليه مَندوبٌ إلى الإنفاقِ عليهم، فيُنفِقُ بنيَّةِ أداءِ ما أُمِر به، وقد أُمِرَ بالإحسانِ إليهم، واللهُ أعلَمُ) .

وقال ابنُ تَيميَّةَ: (نَفَقةُ المَرءِ على نَفسِه وعيالِه أفضَلُ مِن نَفقَتِه على مَن لا تَلزَمُه نَفقَتُه؛ لأنَّ ذلك واجِبٌ، وما تَقرَّب العِبادُ إلى اللهِ بمِثلِ أداءِ ما افتَرَضَ عليهم ...
ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ يَفعَلونَ ذلك طَبعًا وعادةً لا يَبتَغونَ به وَجهَ اللهِ تعالى، كما يَفعَلونَ في قَضاءِ الدُّيونِ مِن أثمانِ المَبيعاتِ والقُروضِ وغَيرِ ذلك مِنَ المُعاوَضاتِ والحُقوقِ، وهذه كُلُّها واجِباتٌ، فمَن فعَلها ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ كان له عليها مِنَ الأجرِ أعظَمُ مِن أجرِ المُتَصَدِّقِ نافِلةً. لكِن يَتَصَدَّقُ أحَدُهم بالشَّيءِ اليَسيرِ على المِسكينِ وابنِ السَّبيلِ ونَحوِ ذلك لوَجهِ اللهِ تعالى، فيَجِدُ طَعمَ الإيمانِ والعِبادةِ للَّهِ، ويُعطي في هذه أُلوفًا فلا يَجِدُ في ذلك طَعمَ الإيمانِ والعِبادةِ؛ لأنَّه لم يُنفِقْه ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ.
فمِن هذا الوَجهِ صارَ في عُرفِهم أنَّ هذه النَّفقاتِ التي لا بُدَّ مِنها ليسَت عِبادةً، وقد لا يَستَشعِرونَ إيجابَ الشَّارِعِ لها، وإنَّما يَستَشعِرُ أحَدُهم ما في تَركِه مِنَ المَضرَّةِ العاجِلةِ، إمَّا في نَفسِه وإمَّا مِن جِهةِ الخَلقِ؛ فإنَّهم لا يَترُكونَ حُقوقَهم، فهو يَفعَلُها لرَغبَتِهم ورَهبَتِهم، وللعادةِ التي هو عليها، وقد يَفعَلُها مَحَبَّةً للحَقِّ ورَغبةً فيه مِن غَيرِ أن يَرجوَ أحَدًا ولا يَخافَه، ومِن غَيرِ أن يَفعَلَها تَعبُّدًا. وهذا حَسَنٌ لا بَأسَ به؛ فإنَّ مَن فَعَل الحَسَناتِ لأنَّها حَسَناتٌ نَفَعه ذلك، كَما يَنفعُ الحَيَوانَ أكلُه وشُربُه، لكِن لا يَكونُ عِبادةً للهِ. بخِلافِ مَن لا يَفعَلُه إلَّا خَوفًا مِنَ الخَلقِ؛ فإنَّ هذا مَذمومٌ.
ولهذا لمَّا قيل للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الرَّجُلُ يُقاتِلُ شُجاعةً ويُقاتِلُ حَميَّةً ويُقاتِلُ ليُريَ مَكانَه، فأيُّ ذلك في سَبيلِ اللهِ؟ فقال: «مَن قاتَل لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هيَ العُليا فهو في سَبيلِ اللهِ» . وهذا يَكونُ في القِتالِ باليَدِ واللِّسانِ وإنفاقِ المالِ، وذلك كُلُّه يَكونُ جِهادًا، لكِن ما ليسَ في سَبيلِ اللهِ مِنه ما لا يُعاقَبُ عليه المَرءُ، ومِنه ما يُعاقَبُ عليه.
والمَقصودُ هنا: أنَّ هذه الأُمورَ العاديَّةَ المُباحةَ تُفعَلُ لمَحَبَّةٍ وهَوًى وإرادةٍ، فإن كان ذلك يُستَعانُ بها على عِبادةِ اللهِ كانت طاعةً وعِبادةً، وإن كان ذلك لمُجَرَّدِ العادةِ والطَّبعِ على الوَجهِ الحَقِّ لم يَكُنْ ذلك مَعصيةً ولا إثمًا، وإن لم يَقصِدْ بها صاحِبُها العِبادةَ للَّهِ)


يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي

أن يَكونَ ما يُنفَقُ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ

مِن أدبِ الإنفاقِ: أن يكونَ ما يُنفَقُ حلالًا مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، غيرِ حرامٍ .
الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:

أ- مِنَ الكِتابِ

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.
قولُه: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ يُستفادُ منه أنَّ المالَ الحرامَ لا يُؤمَرُ بالإنفاقِ منه؛ لأنَّه خبيثٌ. واللهُ تعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طيِّبًا .

ب- مِنَ السُّنَّةِ

1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّها النَّاسُ إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنين بما أمَرَ به المرسَلينَ، فقال: يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
، ثمَّ ذَكَر الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أغبَرَ، يمُدُّ يديه إلى السَّماءِ: يا ربِّ، يا ربِّ، ومَطعَمُه حرامٌ، ومَشرَبُه حرامٌ، ومَلبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرامِ؛ فأنَّى يُستجابُ لذلك؟! )) .

2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن تصَدَّق بعَدلِ تَمرةٍ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ، وإنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُها بيَمينِه، ثُمَّ يُرَبِّيها لصاحِبِه كَما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه ، حتَّى تَكونَ مِثلَ الجَبَلِ )) .
وفي رِوايةٍ: ((ما تَصدَّقَ أحَدٌ بصَدَقةٍ مِن طَيِّبٍ -ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ- إلَّا أخذَها الرَّحمنُ بيَمينِه، وإن كانت تَمرةً، فتَربو في كَفِّ الرَّحمنِ حتَّى تَكونَ أعظَمَ مِنَ الجَبَلِ، كَما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه أو فصيلَه ) .
قال ابنُ هُبَيرةَ: (في هذا الحَديثِ أنَّ اللَّهَ سُبحانَه أخبَرَنا أنَّه يَجزي المُتَصَدِّقينَ بأحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ، وهو سُبحانَه يَجزي المُتَصَدِّقينَ بالتَّمرةِ، حتَّى إنَّا لو قدَّرنا غَرسَ النَّواةِ -الَّتي هيَ أدنى ما فيها- في أزكى مَغرَسٍ فصارَت نَخلةً، ثُمَّ أثمَرَت، فغُرِسَ النَّوى الخارِجُ مِنها، فصارَ مِن كُلِّ نَواةٍ نَخلةٌ، ثُمَّ اتَّصَل للَّهِ إلى يَومِ القيامةِ، ثُمَّ حُسِبَ ذلك التَّمرُ في وقتِ التَّصَدُّقِ به بأوفرِ الأثمانِ في مَكانٍ لا يوجَدُ فيه غَيرُه، ثُمَّ يُشتَرى بالثَّمَنِ أرخَصَ ما يوجَدُ في مَوضِعِه، ثُمَّ بيعَ أعلى ما يوجَدُ حتَّى يَصيرَ مِثلَ أحُدٍ مِرارًا؛ فهذا مَعنى المُضاعَفةِ .
وقَولُه: «مِن كَسبٍ طَيِّبٍ»؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما يُثيبُ العَبدَ على ما أنفقَ مِن مالِه، وإذا أنفقَ من مالٍ مَغصوبٍ لم يَكُنْ قد أنفَقَ مالَه، إنَّما أنفَقَ من مالِ غَيرِه؛ فلم يَكُنْ مِنَ المُنفِقينَ أموالَهم، كما قال عَزَّ وجَلَّ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ؛ فإذا أنفَقَ مِن مالِه فهو الذي يَأجُرُه اللهُ عليه، وذلك هو الكَسبُ الطَّيِّبُ، وهو الذي يَكسِبُه بالشَّرعِ، فقد طابَت طُرُقُ حُصولِه، ويَنبَغي له ألَّا يَزْدَريَ النَّذْرَ مِنَ الإنفاقِ؛ فإنَّه سَيَربو في التَّضعيفِ أضعافَ ما يَأمُلُ المُتَصَدِّقُ به) .



يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي

خامِسًا: الإنفاقُ مِنَ الجَيِّدِ ومِمَّا يُحِبُّ

يُستحَبُّ أن يُنفِقَ مِن الجَيِّدِ لا الرَّديءِ، ولا سيَّما إن كان ممَّا يحِبُّه المرءُ .

الدَّليلُ على ذلك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ:

أ- مِنَ الكِتابِ
1- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.
(يَحُثُّ اللهُ تعالى عبادَه المؤمِنين على أن يُزكُّوا ويتصدَّقوا من أجوَدِ أموالِهم التي اكتَسَبوها حلالًا بالتِّجارةِ، وأمَرَهم أن يُنفِقوا من الثِّمارِ والزُّروعِ والرِّكازِ والمعادِنِ التي أخرَجها لهم سُبحانَه من الأرضِ، فكما منَّ عليهم بتيسيرِ الحُصولِ على ذلك، فلْيُنفِقوا منه شكرًا له عزَّ وجلَّ.
وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي: لا تَقصِدوا الرَّديءَ من أموالِكم فتتصَدَّقوا منه، وتُمسِكوا الجيِّد لأنفُسِكم؛ فإنَّ هذا ليس من العَدلِ في شيءٍ، ولكِنْ تصدَّقوا من الطيِّبِ الجيِّدِ، فإنَّكم لو كنتُم مكانَ آخِذِ الصَّدَقةِ والحالةُ هذه، فلستُم بآخِذيها إلَّا على وَجهِ التَّسامُحِ والتَّغاضي عن ذلك، فإنَّكم لكَراهتِكم إيَّاه تُغمِضون بَعضَ بَصَرِكم عنه؛ إذ لا يملأُ أعيُنَكم لرداءتِه، فاللهُ عزَّ وجلَّ أحقُّ أن يُبذَلَ لأجلِه أطايبُ المالِ؛ فإنَّه سُبحانَه طيِّبٌ لا يَقْبلُ إلَّا طيِّبًا.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي: اعلَموا -أيُّها النَّاسُ- أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ غنيٌّ عنكم وعن أعمالِكم، ومنها صَدَقاتُكم، فلا حاجةَ له بها، وإنَّما أمَرَكم بها؛ رحمةً منه لكم، فنفْعُها عائدٌ إليكم؛ إذ يُغْني بها فقيرَكم، ويُقوِّي بها ضعيفَكم، ويُثيبُكم عليها.

واعلَموا أيضًا أنَّه سُبحانَه المحمودُ على جميعِ صِفاتِه وأفعالِه وأقوالِه وشَرعِه وقَدَرِه، ومن ذلك غناه، فإنَّه يُحمَدُ عليه سُبحانَه، ومن ذلك أيضًا ما يأمُرُكم به من الأوامِرِ الحميدةِ، والأخلاقِ الجميلةِ، وهو عزَّ وجلَّ يَحمَدُ مَن يَستحِقُّ الحَمدَ؛ فأثنَى على أنبيائِه ورسُلِه والصَّالحينَ مِن عبادِه.
كما أنَّ غِناه وحَمدَه يَأبيانِ قَبولَ الرَّديءِ، فإنَّ مَن يأخُذُه إمَّا أن يَقبلَه لحاجتِه إليه، وإمَّا أنَّ نفسَه لا تأباه؛ لعَدَمِ كمالِها وشَرَفِها، وأمَّا الغنيُّ عنه الكامِلُ الأوصافِ سُبحانَه، فإنَّه لا يَقبَلُه) .

2- قال تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.
(أي: لنْ تُدرِكوا الخيرَ الكثيرَ من اللهِ بتفضُّلِه عليكم بإدخالِكم الجَنَّةَ وصَرْفِ العذابِ عنكم -الذي يُطلَبُ بطاعةِ اللهِ وعبادتِه- حتَّى تُنفِقوا وتتصدَّقوا من أموالِكم التي تحبُّها قلوبُكم.
وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي: ومهما تُنفِقوا من شيءٍ من أموالِكم فإنَّ اللهَ ذُو عِلمٍ به، ويُجازي صاحبَه عليه جزاءَه في الآخِرةِ، ويُثيبُه على ما أنفَقَ .
عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كان أبو طلحةَ أكثَرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالًا مِن نَخلٍ، وكان أحبُّ أموالِه إليه بَيْرُحَاءَ ، وكانت مُستَقبِلةَ المسجِدِ، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدخُلُها ويَشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنَسٌ: فلمَّا أُنزِلَت هذه الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
، قام أبو طَلحةَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ تبارك وتعالى يقولُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحَاءُ، وإنَّها صَدَقةٌ للهِ، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عندَ اللهِ، فضَعْها يا رسولَ اللهِ حيثُ أراك اللهُ. قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَخْ ! ذلك مالٌ رابحٌ ، ذلك مالٌ رابِحٌ! وقد سَمِعْتُ ما قُلتَ، وإنِّي أرى أن تجعَلَها في الأقرَبينَ. فقال أبو طلحةَ: أفعَلُ يا رسولَ اللهِ. فقسَمها أبو طلحةَ في أقارِبِه وبني عَمِّه )) .

3- قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177].
(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ أي: ومِنَ الأعمالِ الدَّاخِلةِ في مُسَمَّى البِرِّ: أن يُعطيَ العَبدُ المالَ وهو مُحِبٌّ له وراغِبٌ فيه، فيَدفَعُه صَدَقةً لأقارِبِه، وللصِّغارِ الذينَ فقَدوا آباءَهم وهم دونَ البُلوغِ ولا كاسِبَ لهم، وللمَساكينِ الذينَ لا يَجِدونَ ما يَكفيهم ويُغنيهم، وللمُسافِرِ المُجتازِ يُريدُ نَفقةً تُوصِلُه لمَوطِنِه، وللطَّالبينَ حاجةً مِمَّا يَعرِضُ لهم مِن سوءٍ، ولعِتقِ الرِّقابِ ونَحوِها ... أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، أي: إنَّ أولئِك المُتَّصِفينَ بما سَبَقَ ذِكرُه مِن عَقائِدَ وأعمالٍ وأخلاقٍ، همُ الصَّادِقونَ في إيمانِهم؛ لأنَّ أعمالَهم قَد صَدَّقَت إيمانَهم، وهمُ المُتَّقونَ؛ لأنَّهم فعَلوا ما أمِرُوا به، واجتَنَبوا ما نُهُوا عنه) .

4- قال تعالى في الأبرارِ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
.
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ أي: وهم في حالٍ يُحِبُّونَ فيها المالَ والطَّعامَ، لكِنَّهم قَدَّموا محَبَّةَ اللَّهِ على مَحَبَّةِ نُفوسِهم، ويَتَحَرَّونَ في إطعامِهم أولى النَّاسِ وأحوجَهم مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، ويَقصِدونَ بإنفاقِهم وإطعامِهم وجهَ اللهِ تعالى، ويَقولونَ بلسانِ الحالِ: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا أي: لا جَزاءً ماليًّا ولا ثَناءً قَوليًّا، إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا أي: شَديدَ الجهْمةِ والشَّرِّ قَمْطَرِيرًا أي: ضَنكًا ضيِّقًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ فلا يَحزُنُهمُ الفزَعُ الأكبَرُ، وتَتَلقَّاهمُ المَلائِكةُ هذا يَومَكُمُ الذي كُنتُم توعَدونَ وَلَقَّاهُمْ أي: أكرَمَهم وأعطاهم نَضْرَةً في وُجوهِهم وَسُرُورًا في قُلوبِهم، فجَمَعَ لهم بينَ نَعيمِ الظَّاهِرِ والباطِنِ .

ب- مِنَ السُّنَّةِ

1- عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ العَمَلِ أفضَلُ؟ قال: ((إيمانٌ باللهِ، وجهادٌ في سَبيلِه. قُلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أفضَلُ؟ قال: أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عِندَ أهلِها. قُلتُ: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تُعينُ صانِعًا، أو تصنَعُ لأخرَقَ. قال: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تَدَعُ النَّاسَ من الشَّرِّ؛ فإنَّها صَدَقةٌ تَصَدَّقُ بها على نفسِك )) .

2- عن عَوفِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبيَدِه عَصًا، وقد عَلَّقَ رَجُلٌ قِنوَ حَشَفٍ ، فجَعَل يَطعُنُ في ذلك القِنوِ، فقال: لو شاءَ رَبُّ هذه الصَّدَقةِ تَصَدَّق بأطيَبَ مِن هذا، إنَّ رَبَّ هذه الصَّدَقةِ يَأكُلُ حَشَفًا يَومَ القيامةِ )) .
قال العَينيُّ: (يُستَفادُ مِنَ الحَديثِ أنَّ التَّمرَ الرَّديء لا يُؤخَذُ في الصَّدَقةِ، وأنَّه يَنبَغي للرَّجُلِ أن يَتَصَدَّقَ للهِ تعالى بأحسَنِ شَيءٍ عِندَه؛ حتَّى لا يَدخُلَ تَحتَ قَولِه تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ، وأنَّ المُتَصَدِّقَ يُجازى يَومَ القيامةِ بنَظيرِ ما تَصَدَّق) .

3- عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: أصابَ عُمَرُ أرضًا بخَيبرَ، فأَتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَستأمِرُه فيها، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إِنِّي أصبتُ أرضًا بخَيبرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ هو أنفَسُ عندي منه، فما تَأمُرُني به؟ قال: ((إن شِئتَ حَبَّستَ أصلَها، وَتَصَدَّقتَ بها، قال: فتَصَدَّقَ بها عُمَرُ؛ أنَّه لا يُباعُ أصلُها، ولا يُبتاعُ، ولا يُورَثُ، ولا يُوهَبُ، قال: فتَصَدَّقَ عُمَرُ في الفُقَراءِ، وفي القُربى، وفي الرِّقابِ، وفي سَبيلِ اللهِ، وابنِ السَّبيلِ، والضَّيفِ... )) الحديثَ


الدرر السنية
 
----------------------------
مشاهدة جميع مواضيع zoro1
بــــــــــ الله فيك ـــــــــارك
وجزاك الله كل خير
 
عودة
أعلى